عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

190

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الْكافِرِينَ « 1 » . ثم اعلم أن جميع ما ذكرناه ليس بمنسحب على أهل النار ، بل هم أنواع وأجناس ، فمنهم المتلذذ في عذابه ومنهم من عذابه محض ليس له فيه لذة البتة ، بل أشدّ ما يكون من النفور في أنفسهم ، ثم منهم من آل به إلى العذاب وفور عقله الذي كان له في الدار الدنيا ، ومنهم من آل به إلى العذاب وفور جهله فيها ، ومنهم من آل به إلى العذاب عقائدهم ، ومنهم من آل به إلى العذاب أعماله ، ومنهم من آل به إليها كلام الناس في حقه بثناء ما لم يكن فيه ، ومنهم من آل به إليها كلامهم بما فيه من القبائح أو من المحاسن أو بما ليس فيه من المساوىء . وأمر أهل النار غريب جدا وهم سرّ قوله : هؤلاء إلى النار ولا أبالي ، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي « 2 » . ثم اعلم أن من أهل النار أناسا عند اللّه أفضل من كثير من أهل الجنة ، أدخلهم دار الشقاوة ليتجلى عليهم فيها فيكون محلّ نظره من الأشقياء ، وهذا سرّ غريب وأمر عجيب ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . [ فصل ] : يذكر فيه القسم الثاني من الصورة المحمدية وهو القسم الذي نظر اللّه إليه باسمه المنان فخلق اللّه منه أنواع الجنان ثم تجلى فيها باسمه اللطيف فجعلها محلا لكل كريم عنده وشريف . اعلم أن الجنان على ثمان طباق ، كل طبقة فيها جنات كثيرة ، في كل جنة درجات لا تحصى ولا تحصر . فالطبقة الأولى : تسمى جنة السلام ، وتسمى جنة المجازاة ، خلق اللّه باب هذه الجنة من الأعمال الصالحة تجلى اللّه فيها على أهلها باسمه الحسيب ، فصارت جزاء محضا ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « لا يدخل أحد الجنة بعمله » « 3 » إنما أراد به جنة المواهب ؛ وأما جنة المجازاة فهي بالأعمال الصالحة ، قال اللّه تعالى في حق أهل الجنة : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى « 4 » ولا يدخل أحد هذه الجنة إلا بالأعمال الصالحة ، فمن لا عمل له لا دخول له فيها ، وتسمى هذه الجنة اليسرى ، قال اللّه تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى

--> ( 1 ) آية ( 50 ) سورة الأعراف . ( 2 ) أحمد 5 / 239 ، ( 3 ) البخاري في : الرقاق ( 6464 ) ، ومسلم في : المنافقين ( 71 - 73 ) . ( 4 ) آية ( 39 : 41 ) سورة النجم .